محمد جواد مغنية
332
في ظلال نهج البلاغة
الروم وفارس ، وداس رعاة الإبل على تاج كسرى بأقدامهم . . وعجب العالم لهذه الظاهرة الخارقة . . عرب البادية ، وأهون الخلق شأنا يحطمون عروش الأكاسرة والقياصرة في بضع سنين . . وما لهذا من نظير في تاريخ الدول من قبل ومن بعد . . وقيل في تفسيره أقاويل ، منها أن خشونة البادية غلبت ترف الحضارة ، ومنها ان المسلم كان يلقي بنفسه إلى القتل رغبة في احدى الحسنيين : الجنة أو الغنيمة أو هما معا ، وما كانت هذه العقيدة لجيوش الروم أو الفرس . . أما الإمام فلا يرى لهذا الانتصار من تفسير إلا أن اللَّه سبحانه * ( « هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَه بِالْهُدى ودِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَه عَلَى الدِّينِ كُلِّه ولَوْ كَرِه الْمُشْرِكُونَ ) * - 33 التوبة » . والى هذا أشار الإمام بقوله : ( نحن على موعود من اللَّه ، واللَّه منجز وعده ، وناصر جنده ) . أنجز سبحانه وعده للمسلمين وفقا للنظام الطبيعي ، وبالوسائل الكفيلة بالنصر التي أشار إليها سبحانه في الآية 29 من سورة الفتح : * ( « هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَه بِالْهُدى ودِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَه عَلَى الدِّينِ كُلِّه وكَفى بِالله شَهِيداً ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله والَّذِينَ مَعَه أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ » ) * . وإذن فسبب النصر عادي ومألوف ، لا خوارق فيه ومعجزات وهو الاخلاص والتعاطف والتماسك بين المحقين مع العزم على حرب المعتدي بقيادة المناضل الناصح ، أما كثرة العدد والسلاح فلا تجدي نفعا بدون الإخلاص والتماسك . ( ومكان القيم - إلى - بحذافيره ) . القائد هو الرابطة التي تربط بين أفراد المواطنين ، وتجمع شملهم في كيان واحد ، وتحت راية واحدة ، ولا غنى عنه بحال وبخاصة في أوقات الحرب والأزمات ، وأي ضرر يلحق به يهز بناء المجتمع من أساسه ( والعرب اليوم وان كانوا قليلا ) في عددهم وعدتهم بالقياس إلى الفرس وغيرهم ( فهم كثيرون بالإسلام ) ما داموا مستمسكين بعروته مجاهدين في سبيله ( عزيزون بالاجتماع ) فإذا تفرقت كلمتهم ، وتنافرت قلوبهم عاشوا أذلاء صاغرين ، وان كانوا أشد الناس غنى ، وأكثرهم عددا ، فعرب اليوم يملكون طاقة كبرى من الجنود والثروة الطبيعية ( 1 ) . ومع هذا يسومهم عسفا ،
--> ( 1 ) - يدخل إلى الخزائن الأميركية وحدها من بترول العرب بليون ونصف البليون من الدولارات في كل سنة .